March 17, 2020

هل ما زال بإمكاننا إنقاذ وحيد القرن الأبيض الشمالي؟

.هذا المقال متاحٌ أيضًا باللغتين الانجليزيّة والاسبانيّة

لو خُيّر فاتو وسودان، هل كانا سيقبلان بتلقيح أنثى أخرى بإبنهما؟


قد لا تزال فكرة وجود أنثى ثالثة تُنجب طفل الزوجين غير عاديّة بالنسبة للكثيرين. ومع ذلك، فإن الأم البديلة، أو العمليّة الذي بموجبها توافق المرأة على إنجاب طفل الزوجين، موجودة منذ فترة طويلة. الوجه الأول لهذه العمليّة يظهر في سِفر التكوين، عندما قامت سارة، زوجة النبيّ إبراهيم، بالطلب من خادمتها هاجر أن تكون والدة طفل زوجها. وهكذا قامت هاجر بالدور البديل التقليديّ، بحيث تقدّم المرأة الحامل البويضة ويتم تلقيحها بواسطة الحيوانات المنويّة للأب البيولوجي


إنّ أول ما قد يتبادر الى ذهن القارئ أنّ هذا المقال هو عن الحيوانات المهددة بالانقراض وطريقة حمايتها، فما علاقة الأمومة البديلة بهذا الموضوع ومَن هما فاتو وسودان؟



فاتو هي من فصيلة وحيد القرن الأبيض الشمالي، وهي، مع ابنتها ناجين، آخر حيوانين من فصيلة وحيد القرن الشمالي على كوكب الأرض. كانت هذه الأنواع القديمة الرائعة تعيش على الأرض بسلام لأكثر من عشرة ألاف سنة. لقد تحمّلت هذه الثديات تقلبات المواسم والمناخ والطبيعة، لكنّها لم تقوَ على مواجهة قسوة البشر وجشعهم بعد عقود من الصيد الجائر وفقدان الموائل. فثلاثة أنواع من وحيد القرن مهددة بالانقراض، نوع قريب من الخطر، وآخر ضعيف. بعد وفاة سودان، آخر ذكر في عام 2018، أصبح انقراض وحيد القرن الأبيض الشمالي مسألة وقت فقط


.الآن هي فرصتنا الأخيرة للمساعدة في اعادة تكاثرها من جديد


لحسن الحظ، حافظ العلماء على السائل المنوي من ذكور وحيد القرن الأبيض الشمالي النافقة، لكن ناجين وفاتو غير قادرتين على حمل جنين بصورةٍ طبيعيّة. لذا فإن أفضل ما لدينا في محاولة إنقاذ هذا النوع هو الأمومة البديلة


يبحث العلماء في سبل حفظ الأنواع من خلال تقنيات الخصوبة البشرية منذ التسعينيات. في حزيران/يونيو 2019، أطلق البروفيسور هيلدبراندت وفريقه في ألمانيا مشروع بَيو رَسكيو (BioRescue)، وهو مشروع طموح يستخدم أحدث تقنيات التكاثر والخلايا الجذعيّة كفرصة أخيرة لإنقاذ وحيد القرن. تلقّى المشروع 4 ملايين يورو من الحكومة الألمانية كجزء من مبادرة الحفاظ على التنوع البيولوجي


ومع ذلك، فإنّ تشريح الجهاز التناسلي لوحيد القرن يجعل هذه المهمّة بالغة الدقة والحساسيّة، نظرًا لأنّ الفريق لا يملك فرصة التجربة والخطأ، فهو استخدم وحيد القرن الأبيض الجنوبي للتجربة المخبريّة. ترتبط فصيلة وحيد القرن الأبيض الجنوبي ارتباطًا وثيقًا بأبناء عمومتها في الشمال، وهي مرشح جيّد للمساعدة في بقاء الحيوانات المهددة، لأنها ليست عرضةً لخطر الانقراض – حتى الآن


أخذ العلماء بويضات من 14 أنثى جنوبية، لم يتعرض أي منها لأي مضاعفات. تم تحقيق الإنجاز التالي في أيار/مايو 2019 عندما نجحوا في نقل جنين إلى رحم أنثى من فصيلة وحيد القرن الأبيض الجنوبي


في آب/أغسطس، كان العلماء مستعدين أخيرًا لإجراء الاختبارات على فاتو وناجين. تظافرت جهود دوليّة، بما في ذلك عدد من حدائق الحيوان والمؤسسات البحثيّة ومجموعات الرعاية، ونجحت في جمع البويضات من آخر أنثيين بعمليّة بالغة الدقة. تم تخصيب البويضات باستخدام الحيوانات المنوية المحفوظة. في أيلول/سبتمبر، تم تطوير اثنين من بويضات فاتو بنجاح وتحولت إلى أجنة قابلة للحياة في مختبرات أفانتيا (Avantea) في كريمونا، إيطاليا، حيث يتم حفظها في النيتروجين السائل لنقلها في المستقبل


سيتم نقل الأجنة الناتجة عن هذا الإخصاب داخل المختبر إلى أنثى من فصيلة وحيد القرن الأبيض الجنوبي في المستقبل القريب، وستكون الأم البديلة ليس لوحيد القرن الأبيض الشمالي فقط، ولكن أيضًا لمحاولتنا اليائسة للحفاظ على هذا النوع



حتّى لو نجحت هذه العمليّة، فانّ الكثير من التحديات ما زالت بانتظارنا. كيف سيتم ضمان استمرار هذا النوع، في ظل هذه المجموعة الوراثيّة المحدودة؟


إنّ إجابة مشروع بَيو رَسكيو عن ذلك هي “تكنولوجيا الخلايا الجذعيّة.” الخلايا الجذعيّة هي خلايا فريدة ذات قدرة مميّزة على توليد أنواع جديدة من الخلايا وتقسيمها. يهدف مشروع بَيو رَسكيو إلى تحويل خلية غير تناسلية مثل خلية الجلد إلى خلية جذعيّة، يمكن أن تصبح فيما بعد خليّةً متخصصةً مثل البويضة أو الحيوانات المنوية. يأمل الفريق أن يسمح ذلك بحياة أكثر استدامة وصحة وراثيّة لوحيد القرن الأبيض الشمالي


ولكن، يبقى التحدي الأهم: هل البرية مكان صالح لطفل وحيد القرن الأبيض الشمالي؟


قد يستعير العلماء رحم أنواعٍ مختلفةٍ من أجل ولادة حيوانات مهددة بالانقراض، لكنهم لا يستطيعون استعارة كوكب آخر لكي تعيش فيه. وانّ الأم البديلة قد تحمل طفلًا، لكنّه يحتاج الى أبوين ليرعاه


إنّ الاهتمام بموطننا وموطن الحيوانات هو مسؤوليّة عالميّة يتحمّلها كل فردٍ. يجب أن نكون مدركين لنظامنا البيئي في تصرفاتنا اليوميّة، بدءًا بالتخلص من المواد البلاستيكيّة ذات الاستخدام الواحد، وإطفاء الضوء، وإدارة استهلاك النفايات الغذائية واستهلاك اللحوم. قد لا تبدو هذه الإجراءات بطوليّةً مثل ولادة طفل وحيد القرن، ومع ذلك فهي مهمة. إنها اجراءات صغيرة اذا تم تنفيذها بشكلٍ فردي، ولكن التكافل الجماعي يمكن أن يحوّلها الى تيار تأثيرٍ قويّ


قد تذهب جهودنا سدى، ولكن على الأقل، نكون قد كسبنا شرف المحاولة، قد تعلمنا كيف نكون أفضل بتعاملنا مع الأنواع المهددة بالانقراض. سنقول لكوكبنا وهو يضم جسدَي فاتو وناجين، “لقد فعلنا كل ما بوسعنا


الترجمة بقلم المديرة التربوية ديانا محمود. الرسمة الفنية بريشة هلن سبنس-جونز. أشرفت على تحرير القصة باللغة الانكليزية د. غنى محمود حلبي

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *